منتديات جزيرة الحب
ااااا*************http://www.3z.cc/sml/32/2.gif********
يسعدنا انضمامك معنا http://www.3z.cc/sml/32/3_asmilies-com.gif

الطبيب.. كيف يستعيد دوره حكيما للأمة؟*

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الطبيب.. كيف يستعيد دوره حكيما للأمة؟*

مُساهمة من طرف حسن الموسوي2 في الأربعاء فبراير 18, 2009 6:18 am

أ. د. سحر طلعت**





بوصفي طبيبة وممارسة لمهنة الطب وأستاذة في كلية طب القصر العيني بمصر ومشاركة في مسئولية تخريج أجيال من الأطباء في كليتي، فإن أكثر الموضوعات التي تهمني وتشغلني ليل نهار هو ما آل إليه حال خريج الطب في معظم مجتمعاتنا العربية؛ حيث اقتصر دورنا كأطباء على الاقتباس من العلوم الغربية واتباع سننها دون أي إبداع أو ابتكار أو تطوير؛ وبغض النظر عن ملاءمة هذه العلاجات المختلفة لمجتمعاتنا ومرضانا.

صرنا ندور في متاهة الطب الغربي الذي يدور في دوامة التخصص والمزيد من التخصص والذي ينتقل من معالجة الكل إلى معالجة الجزء وجزء الجزء، وأصبح دورنا ناقلين ومستوردين للعلم فقط!! بعد أن كنا نحن صُناعه ومطوريه ومصدريه على أيام الرازي وابن سينا والزهراوي وابن النفيس وغيرهم من علماء العرب والمسلمين الذين استفادوا من المنجزات الطبية السابقة وطوروها وأضافوا عليها الكثير والكثير ثم قدموها للعالم ليستفيد منها ويحدث نهضته الطبية الحديثة.

وما يشغلني بالفعل هو كيف يمكننا كأطباء أن نطور أداءنا بحيث لا نكتفي بالتعامل مع المريض على أنه "حالة –case"، ونتصور أن دورنا يقتصر على وصف روشتة طبية تحوي مجموعة من العقاقير الكيميائية؟ وكيف يمكننا أن نواكب ونساير ركب التنمية والتقدم؟ وما الذي نملكه بالفعل، ويمكننا أن نقدمه للعالم من حولنا؟ وكيف يمكننا أن ندفع بالطبيب ليمارس دوره الريادي الذي يقود هذه الأمة في مسيرتها الحضارية؟ وكيف يستعيد الطبيب في مجتمعاتنا دوره كحكيم لهذه الأمة؟.

التاريخ الحضاري.. نقطة الانطلاق

ولا أحسب أنه يمكنني في هذه العجالة أن أحيط بتفاصيل الموضوع وبكل جوانبه ولكنني سأحاول أن أطوف على هذه الجوانب وأسلط الضوء على أهمها... ولتكن البداية من المنطلقات التي يمكن أن ينطلق بها الطبيب محققا النهضة الحضارية، ثم نحاول أن نتعرف على المجالات التي يتحرك فيها الطبيب.

الطبيب المسلم والعربي لا بد أن ينطلق في ممارسته لمهنته من أسس ثابتة للنهوض الحضاري، يستلهمها من تاريخ حضاري طبي طويل اعتمد على الاستفادة من خبرات السابقين (الحضارة اليونانية بالأساس) مع تطويره ومناقشته وتنقيحه وإضافة خلاصة التجارب عليه والإنتاج ثم تصديره للعالم في أفضل صورة متاحة للبشرية في ذلك الحين.

وفي كل هذه المراحل كان الفضل للإسلام: ففي مرحلة الترجمة كان الدافع هو أن "الحكمة ضالة المؤمن ينشدها أنى وجدها"، وفي مرحلة الإنتاج الذاتي كان الدافع هو دعوة القرآن والرسول للعلم، وفي مرحلة التصدير كان الدافع هو أن الإسلام يرفض الاحتكار لأي شيء لذا لا بد من نشر المعرفة.

ونحن حينما ندعو لاستلهام حضارة الماضي لا نريد أن نفعل مثلما يفعل الكثيرون غيرنا ونظل نبكي أمجاد الماضي التليد؛ ولكننا فقط نريد أن نستلهم من هذا الماضي الأمل في إمكانية النهوض مرة أخرى مع الاستفادة من مناهج السابقين في البحث والتجريب والتعامل مع الإنسان ككل متكامل مكون من جسد وروح وعقل ونفس مع الحرص على عدم التورط في التعامل مع الإنسان على أنه آلة مكونة من عدة أجهزة ومجموعة من التروس ونفتته إلى أجزاء لا يجمع بينها أي رابط.

وهذا بالطبع لا ينفي أو يلغي أهمية التخصص ولكنه يدعو للتخصص الذي ينظر للجزء في سياقه الكلي المتكامل، والمهم أننا نريد أن يكون تذكرنا لأمجاد الماضي دافعا للمزيد من إنجازات المستقبل والاستفادة من كل ما ينجزه العقل البشري.

روح الإسلام

وعلى الطبيب أثناء ممارسته لمهنته أن يستلهم روح الإسلام الذي يعتبر الطبيب أداة الرحمة الإلهية والمكلف بدفع الضرر عن المجتمع بتوفير مقومات الصحة فيه، وأداء واجب الأُخُوة والرحمة الإنسانية التي تتسع ليس فقط للمسلمين ولا للبشر ولكن تشمل جميع المخلوقات، والدلائل من الكتاب والسنة لا تعد ولا تحصى ونذكر منها قوله صلى الله عليه وسلم: "لن تؤمنوا حتى تراحموا".. قالوا كلنا رحيم يا رسول الله.. فقال الرسول: "ليست الرحمة أن يرحم الرجل قومه إنما يرحم الناس جميعا".

ونحن حينما نقوم بهذه المهمة نقدم للبشرية جمعاء طبا وعلما خاضعا للتعاليم والآداب الإسلامية، ومنطقيا في الممارسة، وشاملا في اهتماماته (يعطي اهتمامات متساوية للجسد والروح والعقل.. والفرد والمجتمع)، وعالميا في تناوله يستخدم كافة الموارد المتاحة ولا يرفض ولا يستبعد أي منها ما دام ثبت بالتجريب صلاحها ونفعها للمريض والمجتمع (وتعتبر المعطيات العلمية داخل الأنساق الطبية المختلفة مثل الطب الحديث والشعبي والبديل ضمن هذه الموارد المتاحة)، ويتوجه بالفائدة للجميع، وعلميا في منهجيته ومؤسسا استنتاجاته المنطقية على الملاحظات الصحيحة والإحصاء الدقيق والتجريب الأمين، ويستهدف التعامل مع آليات المرض بالفعل ولا يكتفي بعلاج الأعراض وتسكين الآلام.. فهو يستهدف أن يكون له تأثير علاجي استعدادي Restorative على المستويات الجسدية والعاطفية والروحية.

ومهنة الطب عندنا تستلهم أخلاقياتها وضوابطها من وعي ممارسها بالاهتمام الذي أولته الشريعة الإسلامية للأخلاقيات.

وفي بحث متميز للدكتور عمر قاصولي يقترح أن نستلهم ونسترشد في ممارستنا للطب بفهم ووعي عميق بالمقاصد الخمسة للشريعة الإسلامية وهي: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ النسل، وحفظ العقل، وحفظ المال، بحيث تمثل هذه المقاصد الخطوط الإرشادية العامة للأخلاقيات في الإسلام، على أن تتطور وتتغير التفصيلات والتطبيقات التفصيلية حسب احتياج الأزمنة والأمكنة.

الطبيب مع مرضاه

من أجل المريض كان الطبيب وليس العكس؛ فالشفاء غاية والطب وسيلة، والصحة ضرورة إنسانية وحاجة أساسية وليست ترفا أو كمالا، والهدف الأسمى لمهنة الطب هو الحفاظ على صحة المجتمع وصحة المرضى وضبط الميزان الصحي، وللطبيب سلطة في مجتمعه وعلى مرضاه، وتنبع هذه السلطة من خبرته وعلمه وحكمته، والمفترض أن يسخر الطبيب هذه المقدرات لصالح مرضاه، ولكن تحقيق هذه الغاية أصبح من الصعوبة في وسط مجتمعات سيطرت عليها المادية الطاغية وأصبح رأس المال واعتبارات السوق ومصالح الحكومات هي التي توجه الخدمات الصحية وتسيطر عليها وتطوعها من أجل تحقيق المصالح والمكاسب المادية.

والطبيب في هذه الظروف يحتاج دوما أن يضع نصب عينيه أن هدفه الأول هو صالح مرضاه ولا يسمح لأي هدف آخر أن يتعارض مع هذه الغاية السامية، وفي هذه الأحوال يحتاج الطبيب أن يحرص دوما على التوازن بين امتهان الطب كمهنة ومورد رزق وبين دوره في أن يقدم الرعاية الطبية لأي مريض بغض النظر عن قدراته المادية وبغض النظر عن جنسه ولونه ومعتقداته، وهذا التوازن لن يتحقق إلا على يد الطبيب الذي يتحلى بكريم الصفات والأخلاقيات والذي يراقب الله في سره وعلانيته.

وسلطة الطبيب تستوجب ألا يتصدى لغير تخصصه وأن يلتمس الاستشارة ممن هو أقدر وأعلم منه عملا بالآية "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" [النحل:43].

وعلى الطبيب أن يقوم بواجبه نحو مرضاه في مجالات الوقاية والعلاج والتأهيل، وفي كل الأحوال هو مطالب بالتعامل مع المريض ككل متكامل، ومطالب بالبحث عن أفضل السبل التي تحقق أفضل النتائج المرجوة والمنشودة بأقل الخسائر المادية والمعنوية، ومن هذا المنطلق يحتاج الطبيب والمجتمع الطبي عندنا أن يجتهدوا في التعرف على واكتشاف الكنوز الموجودة في الطب الشعبي والبديل على أن تخضع هذه العلاجات للتجريب العلمي المنضبط، فمنها علاجات استخدمها الناس عبر العصور ووجدوا فيها فائدة، وقد تكون الأنسب في مجتمعاتنا لرخص سعرها وتوافرها.. فلماذا نرفضها نحن كأطباء كلية ولماذا لا نحاول الاستفادة من النافع منها؟!.

الطبيب ومجتمعه

وعلاقة الطبيب مع زملائه من الأطباء وسائر أعضاء الفريق الطبي هي علاقة تكامل من أجل تحقيق مصلحة المريض ورعاية صحة الأمة، وليست علاقة تنافسية بغيضة تعلي من شأن المصلحة الشخصية بغض النظر عن الاعتبارات الأخلاقية، وهي علاقة تحترم التخصص، ويتم فيها تبادل العلم دون احتكار، ويحرص فيها الكل على أن يتحلى بكرم المعلم وتواضع المتعلم، والقدوة هي الأساس المعتمد لنقل الخبرات والسلوكيات الأخلاقية.أن يتحلى بكرم المعلم وتواضع المتعلمأنممم

كما أن الطبيب عضو حي في مجتمع يتفاعل معه ويؤثر فيه ويهتم بأموره، وعليه أن يكون على وعي ودراسة وبينة بالمجتمع الذي يعيش فيه وما يسود فيه من أعراف لتقرير ما يأخذ وما يدع من السياسات الطبية ولا يكتفي بالنقل عن الآخرين، ولا بد أن يكون على وعي بأولويات المشكلات الصحية ليتخذ التدابير اللازمة للقضاء عليها، ولا تغيب عن وعيه المتغيرات العالمية التي تؤثر في الخدمات الصحية في مجتمعه، ويستخدم كل هذا الوعي من أجل تحقيق صالح المجتمع ومن أجل الإصلاح ودعم المصلحين ومقاومة الفساد والتصدي للمفسدين أيا كان موقعهم.

كذلك الطبيب مسئول أن يبذل جهدا في دعم الطب الوقائي حيث إن أولوياتنا في العالم العربي والإسلامي المتخلف مقلوبة، ويحتل الطب العلاجي فيها المرتبة الأولى؛ بينما يهمل الطب الوقائي ويهمش على أهميته وجدواه.

الطبيب والبحث العلمي

إن البحث العلمي المنضبط بضوابط العقل (لا العاطفة) والذي يستخدم آليات المنهج العلمي التجريبي هو الأساس الذي يحقق التنمية الصحية إذا كان منطلقا ومستهدفا التعامل مع المشكلات الصحية الشائعة وبهدف البحث عن أفضل سبل للتعامل مع هذه المشكلات، ومن المؤسف أننا أصبحنا في هذا المجال مستهلكين ومقلدين وغاب عن مجتمعاتنا الإبداع والابتكار والبيئة المشجعة على البحث العلمي، وبالتالي فكل الإنجازات الصحية الحديثة جاءت من غير أرضنا، ولا حجر في الإسلام على حرية البحث العلمي الذي يهدف خدمة المجتمع؛ ولكن مع التحلي بأخلاقيات البحث العلمي وتجنب قهر الإنسان أو الإضرار به، وتجنب القسوة على الحيوان أو تعذيبه واستخدامه فقط في إطار ما هو من مقتضيات البحث.

ولا بد أن يعلم الطبيب أنه دائما في تعليم مستمر من أجل اللحاق بركب العلم والتعرف على أحدث معطياته وضابطه في هذا الأمر: "أن الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها"، وأثناء العملية التعليمية المستمرة عليه أن يتحلى وينمي مهارات العقل الناقد، والطبيب المعلم لابد أن يحرص على أن يكون قدوة لطلابه خلقا وعلما وانضباطا.

لقد حاولت في هذه العجالة أن أطوف على المجالات التي يتحرك فيها الطبيب من أجل تحقيق النهضة، وكل من هذه المجالات يحتاج جهد وتفصيل، ولا طاقة للإنسان الفرد أن يستوعبها بمفرده؛ فليختر كل منا من هذه المجالات المتعددة ما يناسبه ويناسب قدراته واهتماماته محتسبا كل جهد في سبيل الله.
avatar
حسن الموسوي2
عضو يشتغل

عدد الرسائل : 111
نقاط : 6596
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 22/12/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى